ابن حمدون
356
التذكرة الحمدونية
منسوبا إلى العفّة والظَّلف ، معروفا بالنزاهة والأنف ، سليما من شائن الطمع ، بريئا من الحرص والجشع ، فان هذه الطبقة هي حجّة الحاكم في ما يحكم ، وطريقه إلى ما ينقض ويبرم ، فمتى أعذر في ارتيادهم ، كان معذورا في الحكم بشهاداتهم وان اختلفوا . ومتى عذّر في انتقادهم ، كان ملوما في سماع أقوالهم وإن صدقوا ، لأن على الحاكم أن يعتام أهل الثقة والأمانة ، والعفّة والصّيانة ، حدسا على باطنهم من ظاهرهم ، ومخيلة لخافيهم من باديهم . واللَّه وحده يبلو السرائر ويعلم الضمائر . وقد قال جل اسمه للحكام * ( ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) ) * [ 1 ] ( البقرة : 282 ) وقال تعالى في الشهود * ( ( سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ويُسْئَلُونَ ) ) * ( الزخرف : 19 ) . وأمره أن يحتاط على مال الأيتام بثقات أمناء [ 2 ] ، ويكلها إلى الحفظة الأعفّاء ، ويرعيهم في ذلك عينا بصيرة ، ويكلأهم بهمّة يقظى حتى يسيروا في هذه الأموال بسيرة تثمّرها وتنمّيها ، وتدبّرها تدبيرا يحرسها ويزيد فيها ، من غير أن يركبوا بها خطرا ، ولا يجرّوا عليها غررا ، وأن ينفقوا عليهم منها بالمعروف ، ويسلكوا فيها سبيل القصد ، حتى إذا بلغ أربابها الحلم ، وأونس منهم الرشد سلَّمت الأموال إليهم وأشهد بقبضها عليهم . قال اللَّه تعالى : * ( ( وابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ولا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا . ومَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ، ومَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِالله حَسِيباً ) ) * ( النساء : 6 ) . ومنه : هذا ما عهد أمير المؤمنين إليك ، والاحتياط لك وعليك ، وهاديك إلى طريق